الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

150

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ولم يذكر الأبوان لدخولهما في الفصيلة قصدا للإيجاز . والإيواء : الضم والانحياز . قال تعالى : آوى إِلَيْهِ أَخاهُ [ يوسف : 69 ] وقال : سَآوِي إِلى جَبَلٍ [ هود : 43 ] . و الَّتِي تُؤْوِيهِ : إن كانت القبيلة ، فالإيواء مجاز في الحماية والنصر ، أي ومع ذلك يفتدي بها لعلمه بأنها لا تغني عنه شيئا يومئذ . وإن كانت الأمّ فالإيواء على حقيقته باعتبار الماضي ، وصيغة المضارع لاستحضار الحالة كقوله : اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً [ الروم : 48 ] أي يودّ لو يفتدي بأمه ، مع شدة تعلق نفسه بها إذ كانت تؤويه ، فإيثار لفظ فصيلته وفعل تؤويه هنا من إيجاز القرآن وإعجازه ليشمل هذه المعاني . وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً عطف على بِبَنِيهِ ، أي ويفتدي بمن في الأرض ، أي ومن له في الأرض مما يعزّ عليه من أخلاء وقرابة ونفائس الأموال مما شأن الناس الشح ببذله والرغبة في استبقائه على نحو قوله تعالى : فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ [ آل عمران : 91 ] . و مَنْ الموصولة لتغليب العاقل على غيره لأن منهم الأخلاء . و ثُمَّ في قوله : ثُمَّ يُنْجِيهِ للتراخي الرتبي ، أي يودّ بذل ذلك وأن ينجيه الفداء من العذاب ، فالإنجاء من العذاب هو الأهم عند المجرم في ودادته والضمير البارز في قوله : يُنْجِيهِ عائد إلى الافتداء المفهوم من يَفْتَدِي على نحو قوله تعالى : اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [ المائدة : 8 ] . والمعطوف ب ثُمَّ هو المسبب عن الودادة فلذلك كان الظاهر أن يعطف بالفاء وهو الأكثر في مثله كقوله تعالى : وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً [ النساء : 89 ] وقوله : وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [ القلم : 9 ] ، فعدل عن عطفه بالفاء هنا إلى عطفه ب ثُمَّ للدلالة على شدة اهتمام المجرم بالنجاة بأية وسيلة . ومتعلق يُنْجِيهِ محذوف يدل عليه قوله : مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ . و كَلَّا حرف ردع وإبطال لكلام سابق ، ولا يخلو من أن يذكر بعده كلام ، وهو هنا لإبطال ما يخامر نفوس المجرم من الودادة ، نزل منزلة الكلام لأن اللّه مطلع عليه أو